البحث

الخميس، 13 أكتوبر 2016

أحببتُ كاتبة - الجزء(15) والأخير .."الوردة الحمراء " ..

...(15) .." الوردة الحمراء " ..
 ،
إستيقظتُ منْ نومّي خفيفة القلب .. لقد كان سامي يتجول في أحلامي طوال الليل ،،
المطر يرتطم بالنافذة يحدثُ صوتاً يحثني على سير الخطى نحوها وفتحِها ،،
ما أنّ فتحتها حتى لامستْ بعض قطرات المطر وجهي كأنّها تقول لي " صباح الخير ويومٌ سعيد " .. مددتُ يدي من الناذة لتبتل بالمطر ، لقد إبتل كمّ ملابسي الخاصة بالنوم ...
أشم رائحة القهوة .. هذا يجعلني أعلم تلقائيا أنّ أمي مستيقظة تعد بعض القهوة لي ولها ،،
إغتسلتُ وبدلتُ ملابسي ونزلتُ إليها لإحتساء القهوة معها ..
كنتُ جالسة وإياها تخبرني : " كمْ أنّا فخورة بطفلتي الصغيرة المبدعة .. لا أعلم كيف تحيكين الكلام بهذا الشكل الرائع ، لكنك تنسجين رواية بإتقان رائع عزيزتي .. أتمنى أنّ تكون رواية دافة للكثيرين في هذا الشتاء "
- " لمْ أعد طفلة يا أمي .. لكنْ أحبك مناداتك لي بالطفلة ، أتمنى ذلك أيضا يا أمي " .. بهدوء
- " أعلمْ – منْ خلال هذا الرواية- أنّك لم تتخطي سامي بعد ، أنّا آسفة عزيزتي .. ما كان علينا الرحيل بعيداً ، أعلم أنّك فعلتي ذلك بسبب حالتي النفسية المتدهورة " .. بأسف وحزن
- " أمي .. لا داعي لمثل هذا الكلام ، لقد أخبرتكِ أنّكِ كُل عائلي وحياتي .. أنّتي قبل الجميع يا أمي وقبل الحب أيضاً " .. مواسية
- " سأصعد إلى غرفتي لتبديل ملابسي .. لمْ أُبدلها بعد " .. ضحكت بلطف
- " حسناً " .. مبتسمة
بقيتُ مكاني جالسة أحتسي القهوة وأتذكر كل لحظة قضيتها مع سامي .. لقد كان السبب في خروجي من عزلتي ، المكانُ هنا ممل جداً .. لا يوجد شابٌ ثقيل الظل يلاحقني بأسئلة غريبة وبتطفلاتٍ كثيرة  كَليل أقصدُ كسامي ،،
ترى هل قرأها ؟! ...
نهضتُ من مكاني وقلتُ بصوتٍ عالٍ : " أمي  .. سأذهب للسير قليلاً "
فردت أمي من الداخل :" دفئي نفسك جيداً .. وخذي معكِ مظلة "
أجبتها :" حسنا أمي .. أراكِ "
إرتديتُ معطفي الكُحلي وحملتُ معطفي وخرجتُ للسير دونْ أي وجهةٍ محددة ،،
سرتُ في الطرقات والأزقة .. توقفتُ أمام نوافد المحلات لرؤية ما يعرضونه منْ بضائع ملفتة للنظر لكنّها لا تغريني لشرائها ،،
زرتُ المنتزه أيضاً ..كنتُ أفكر وأفكر وأفكر ،،
هل يوجد ولو إحتمال واحد في المئة أنّه قد قرأها ؟!! .. أرجو ذلك ،،
الطرقاتُ مبللة بالمطر .. ورائحة التراب بعد هطول الأمطار مغرية جداً ، أحبها جداً ..
لمْ أستطع رؤية الشتاء مع سامي حينْ رحلت .. كان الشتاء على مقربة منّا بخطوة ،،
لقد رحلتُ وبكيتُ كثيراً كما السماء كُل ليلة .. كنتُ أشتاق إليه لكنْ لا أستيطع فعل شيء ،،
كنتُ أرى الراحة مرتسمة على أمي بعد إنتقالنا فأتظاهر بأنّي مرتاحة أيضاً وسعيدة .. في النهاية كان الهروب إقتراحي أنّا ،،
بينما كنتُ أدور في دوامة أفكاري ... رنْ هاتفي ، لقد كان موظفاً في دار النشر يذكرني بموعد حفل توقيع الرواية ،،
أغلقتُ الهاتف بعد أنّ قلتْ :" لا تقلق سأكون هناك في الموعد .. وداعا"
خطر في خاطري خواطر كثيرة .. نفضتها عنّي بعيداً وأكملتُ سيري بكل هدوء ، هطل المطر خفيفاً لمْ أرد فتح المظلة أريد للمطر أنّ يبللني قليلاً ..
مضى يومان تأخذني أفكاري بعيداً وتعيدني .. أدور في دوامات كثيرة ، قلبي يخفُ بشدة وكأنّ أمراً ما سيحدث ،،
إختارت لي أمي ثوباً جميلا بنّي اللون فاتح و معطفٌ أبيض .. زينة شعرٍ كرستالية وحذاء أحمر ..
أحب الأحذية الحمراء .. يقولون الحذاء الجيد يقود صاحبه لأماكن جيدة ، وخاصة الأحمر ...
صباح اليوم المنشود .. أمي في عجلة منْ أمرها أكثر منّي أنّا المعنية في الأمر ، أجلسُ أراقبها كيف تحثني على التأنق ..
لقد ساعدتني على إرتداء ملابسي وتسريح شعري وتزينه .. بعدها إنشغلت بترتيب نفسها ،،
لقد كانت مصرة على جعلي أجمل الجميع ،،
" حسناً إنه حفل توقيعٍ لا أكثر أمي .. ثم إنّي يأبقى جالسة مكاني طوال الوقت" : قلت لها
- " يجب أنّ تكوني جميلة صغيرتي .. ماذا لو قابلتي الحب صدفة؟ "..مبتسمة
- " تتحدثين وكأنّ الحب رجل يسير على أقدام " .. بإستغراب
- " لا وقت للكلام .. يجب أنّ تكوني حاضرة قبل الجميع " ..تستعجلني
ذهبنا إلى المعرض .. كان هناك عدد كبير من نسخ الرواية وقد صفو بشكل جميل جداً ، المكان في الداخل كان لطيفاً جدا ودافئاً .. لا داعي للمعطف الأبيض على ما اظنّ لهذا نزعته ووضعته بالقرب منّي وجلستُ حيثُ قيل لي  ..
الوقتُ يمر ولحظة الصفر قد حانت .. بدأ الكثيرون بالحضور وطلب إهاء وتوقيع وكنتُ أفعل ذلك بكل سعادة غامرة ،،
الجميعُ كان لديهم أسئلة فضولية مثل :" هل هذه القصة حقيقية ؟"
- " لا أبداً " .. مبتسمة له
- " أظنْ أنّي شهدتُ قصةً كهذه منْ قبل " .. بنظرة فضولية
شعرتُ بأنّ شكلهُ مألوف لي .. أجبته :" ربما تشابه لا أكثر "
- " لا أظنْ .. كما وأظنّ أن النادل في المقهى أعرفه "
وهنا تذكرته .. إنه نادل ذاك المقهى الذي إلتقيتُ بسامي به أول مرة ،،
- " أنت ذاك النادل ؟ " .. بدهشة
إقترب منّي هامساً :" أجل .. ولنْ أخبر أحداً بشيء ، لكنْ ذاك الشاب جنّ وهو يبحثُ عنّكِ .. ثم لم يعد يأتي للمقهى بعدها "
- " جنّ ؟ " ..بدهشة
- " إذا ما إلتقيتما مجدداً .. أتمنى أنّ تكونا معا سعيدين كما في نهاية هذه الرواية آنستي "
أمال لي برأسه مبتسماً وذهب ،،
أية صدفة هذه .. هل يعقل أنّه قد فقد عقله كقيسٍ حين فقد ليلى ؟! ،  لا يعقل ...
تناوب الأمر بعدها ما بين توقيع لهذا وذاك .. ثم بعض الإستراحة ،،
لقد شعرتُ بخذرٍ في ذراعي .. فكرتُ بأنّ بعض التمارين ستفيد في إزالة الخدر ،،
بينما كنتُ أفعل ذلك مدّ لي بنسخة منْ الرواية أمام ناظريّ تبرزُ وردة حمراء وضعتْ فيها .. ثم لامس صوتٌ مألوف أذنّي قائلاً :" هل لي بتوقيع هنا لو سمحتِ ؟ " ..
شعرتُ بالخدر في رقبتي لم أستطع رفع رأسي إلا بصعوبة .. وما أنّ رفعته ورأيتُ المتلكم حتى أصبتُ بالخدر في كامل جسدي ،،
لقد .. لقد كان هو ، لقد كان سامي ..
وقع القلم من يدي لحظتها فهمّ بإلتقاطه وإعادته لي .. أعاد علي طلبهُ من جديد :" هل لي بتوقيع ؟" ،،
لم أعلم ما أفعل .. أمسكتُ الرواية من يده وسألته :" ماذا تريد الإهداء ؟"
- " لا داعي للإهداء لقد حصلتُ عليه في الصفحة الأولى على أي حال" ..مبتسماً
- " آه .. حسناً تفضل لقد وقعتُ عليها" .. بإرتباك وأطراف ترتجف
- " لقد نسيتي شيئاً "
- " ما هو ؟ " .. بإستغراب
- " الوردة الحمراء .. إستحبيها من بين الأوراق ، إنّها لكِ "
سحبتها .. أمسكتها ، تأملتها وما أنّ رفعتُ رأسي حتى كان قد إختفى ،،
هل كنتُ أحلم ؟ ،،
هممتُ بالحاق به لكنْ لا يسمح لي قبل إنتهاء الوقت .. بقيتُ جالسة على كرسي أوقع على عجل وجسدي في حالة تململ في مكانه حتى إنتهى الوقت ،،
أسرعتُ بإرتداء معطفي والخروج ركضاً أبحثُ عنّه .. لا يعقل أنّه قد ذهب هكذا .. لا بد أنّه في مكان ما ينتظر ،،
بحثتُ في كل مكان حتى في الخارج .. جلتُ بنظري جميع الأماكن علنّي أراه بين الناس لكنّه لم يكنّ ..
شعرتُ بخيبة أمل وحزن .. لقد كنتُ مشتاقة له لسنة كاملة ، لما لم ينتظر قليلاً بما أنّه قد جاء ..
وبينما أنّا في حالة حزنٍ وإحباط .. شعرتُ بأحدهم يضمنّي من الخلف ويهمس في أذنّي : " إشتقتُ إليكِ كثيرا أيتها الكاتبة ..أظنّ أنّي أحببتُ كاتبة ، وأريدها لي " ..
شعرتُ بالدفىء يغمرني وبالسعادة أيضاً .. شددتُ على يده وقلت :" وأنّا أظنني أحببتُ قيساً مجنوناً بي وأريده بشدة "
أدارني لأكون مقابلة له مباشرة .. وقال :" لديّ أمانة لكِ "
- " أمانة ؟ .. ما هي ؟" .. بإستغراب
أمسك بيدي وأخرج من معطفه ذاك الخاتم من تلك الليلة وألبسني إياه مجدداً وقال :" هذه هي الأمانة "
بينما كنتُ في دهشة من أمري أنظر إلى الخاتم تارة وإلى سامي تارة أخرى كنتُ أفكر في ضرب نفسي لأتأكد أنّه حلم .. لكنّه حلم جميل لا أريد ضرب نفسي خشية الإستيقاظ ،،
وفي غمرة دهشتي الصامتة قال :" هل تتزوجينني ؟"
نظرتُ إليه .. لعينيه ، غصتُ بهما .. كدتُ أقول أجل حتى تنبهتُ لأمي من بعيد تنظر إلينا ،،
لقد كانت تجول المكان بحثاً عني .. لوهلة نسيتُ أمرها ،،
ربما اللشوق واللهفة هما السبب ..
نظرتُ إليه نظرة حزن .. أخفضتُ رأسي لا أملك ما أقول ،،
هزني كثيراً من كتفي ملحاً لمعرفة الجواب حتى جاء صوت أمي قائلاً :" إنّها موافقة يا بني " ..مبتسمة
- " أمي ؟ " ..مندهشة
- أمي :" قلتُ لكِ أنّ عليكِ التأنق بقدر ما تستطيعن فلا تعلمين متى وكيف تقابلين الحب صغيرتي "
- " لكنْ .. أمي ، أنتي ... " .. بإرتباك
- أمي :" لا تقلقي صغيرتي .. الإبتعاد لسنة جعلني أتخلص من جميع أفكاري المأساوية وفتح صفحة جديدة مع الحياة .. فكري بنفسك "
لم أقوى على قول شيءٍ ضممتُ أمي بقوة .. قبلتُ يديها ،،
ضممتُ سامي أيضاً قائلة :" أجل موافقة " ..
وفي ذاك المشهد الدرامي الرومنسي الجميل الذي إنتظرته قاطعنا ذاك النادل الغريب قائلاً :" أشكر الله لأنّي قد رأيتُ المشهد الأخير حقيقة أمامي " .. بعيون دامعة
- سامي :" ومن أنت ؟ " .. بإستغراب
- " دقق النظر فيه سامي "
- سامي :"  نادل المقهى ؟" .. بدهشة
الوقف كان غريباً جداً .. لقد شهد ذاك النادل بداية قصتنا كحبيبين والآن بداية قصتنا كزوجين ،،
الحياة غريبة جدا في حياكة أقدار الناس ..
عدنا أنّا وسامي مع أمي لرؤية والديه وإقامة حفل خطوبة .. فلا يمكننا الزواج قبل أنّ يأتي الربيع ، فسامي وسالم قد إتفقا على الزواج معا في الربيع  القادم  إلينا ...
رأيتُ سالم وخطيبته .. كان مناسبين لبعضهما ، ساعدتني خطيبتهُ بإختيار ثوب خطوبة جميل جداً ..
وفي حفل الخطوبة وفي وقتٍ كان الجميع فيه سعداء يرقصون فقدتُ أمي .. خرجتُ للبحث عنها ،،
فوجدتها تتحدث إلى والد سامي الذي كان يخبرها قائلاً : " أجل أنّا صديق زوجك القديم .. لقد كان زوجكِ يحبكِ كثيراً ، لم يشيء أنّ تتألمي معه لهذا رحل ليتألم لوحده بعيدا حتى توفي " ..
إختبئتُ أستمع لبقية الكلام وعيناني على أمي المندهشة من الكلام ..
- أمي :" ما الذي تقصده ؟ .. كيف توفي ؟ " .. بإنفعال
- والد سامي :" لقد كان مصاباً بالسرطان في مرحلة متقدمة .. لقد إكتشف ذلك متأخراً ، كان يتألم وحدة كثراً قبل أنّ يتوفى .. ذاك الغبي لم يعلم أنّكِ ستتألمين كثيراً وأنتي تظنينه قد هجرك دون عودة "
لم يكره أبي أمي .. بل كره أنّ يراها تتألم معه ، لم يردها أنّ تراه في حالة ضعف ،،
لم تعلق أمي على كلام والد سامي .. بقيت ساكنة مكانها تبكي ،،
هنا جاء سامي يبحثُ عني حتى وجدني أبكي أيضاً .. سألني ما الأمر فأخبرته بما سمعت عن والدي ،،
ضمنّي إليه بقوة حتى هدأت ..
ذهبنا لأمي .. سمحتُ لها دمعتها وطلبنا منها ووالد سامي العودة معنا للداخل فالحزن بات من الماضي والآن وقتنا لنفرح ..
وفي وسط إلتقاط صورة جماعية لنا همست لي أمي قائلة :" لقد برد وهدأ قلبي يا طفلتي .. كوني سعيدة فأمك الآن سعيدة جداً لمعرفة حقيقة أنّ من أحبها لم يهجرها أبداً " ...
بعد أيام علمتْ أمي مكان قبر والدي وذهبت لزيارته .. لقد قالت له كل شيء وهي هادئة النفس ،،



                              النهاية ....
                             بقلمي \ سناء قبها 
                    من تاريخ 4 سبتمبر حتى 13 أكتوبر عام 2016