البحث

الثلاثاء، 11 أكتوبر 2016

أحببتُ كاتبة - الجزء (14) .." هل سأجدها يوماً ما؟! " ...

...(14)..." هل سأجدها يوماً ما ؟! " ...
،
مرّ عليّ الشتاء الماضي عاصفاً بالحزن قارصاً جداً ..
كدتُ أجنّ إلا قليلاً ،،
أنّا شاكرٌ لله لإحتفاظي بحالتي العقلية بشكل سليم إلى الآن ..
لكنّي ،،
لكنّي لم أكف طوال السنة الماضية كلها منذ ذاك الشتاء إلى هذا الشتاء عنْ البحث عنّها ،،
المطر ينهمر كما الدموع من عينّي ،،
لقد أدارت لي ظهرها بكل سهولة دونْ قول أيّ كلمة .. أنّا فقط أشعر ببعض الأسى على نفسي ، أشعر بالظلم ..
كيف لها أنّ تفعل بي هذا أنّا الذي كنتُ أريد إهدائها حياتي كُلها ،،
ولأنّي أريد أنّ أعرف لما رحلتْ .. ولأنّي لم أستطع نسيانها أو نسيان أي تفاصيل متعلقة بها ، أريد البحث عنّها دون ملل ..
ذاكرة المكان .. لم أكنّ أعلم أنّ للمكان ذاكرة كما الإنسان ، لا تنسى أبداً ..
فأنّا أسير في الأماكن التي لا زالت تذكرنا معاً .. تنظر إلي الأماكن بإستغراب ، أظنّها تستغرب زيارتي لها وحيدا دونّها ..
البرد قارص والجو ينذر بهطول الأمطار هذه الليلة ويبدو أنّ علي العودة للمنزل ...
عدتُ للمنزل وليتنّي لم أعد ..
والداي لا يكفان عنْ إزعاجي بمسألة الزواج ،،
أصبح الأمر مرهقاً لنفسي كثيراً ...
لا أستطيع الزواج بفتاة وقلبي معلقٌ بغيرها ،،
هذا جنون لا أرغب بفعل هذا ..
إنفعلت بشكل مبالغ به هذه المرة إصرح بأنّي لا أريد الزواج .. ليصرحان بكل قسوة أنّي لا يمكننّي العيش على ذكرة فتاة باتت كالسراب إلى الأبد ، وأنّه آن لي تكوين اسرة الآن ..
إنّهما لا يفكران إذا ما كنتُ سيعداً بالزواج الذي يتحدثون عنّه أم لا  .. كل ما يهمهم رؤية أحفادٍ يؤنسونهم في كِبرهم ،،
هذا الأمر يشكلُ عبأً ثقيلاً عليّ ،،
دخلتُ غرفتي غاضباً .. ألقيتُ بجثتي أنّا الميتُ في الأعماق على السرير ، أغلقتُ عيناي وغصتُ في التفكير ..
خلتُ أنّي سأغرق في تفكيري دونَّ النجاة .. لقد وازنتُ الأمور جميعها في رأسي ، خرجتُ إلى والداي قائلاً :
- " يمكنّكما إختيار الفتاة التي تريدان .. لكنّ تذكرا أننّي مصاب بالحساسية تجاه الأغبياء ، فتاة غبية وعائلة من الأغبياء .. لا أريد شيئاً من هذا " .. بهدوء
إرتسم على محيى والداي علامات الراحة والرضة .. شرعا في نقاشهما عن أفضل الفتيات وأحسنهنّ ، وعدتُ أنّا إلى غرفتي أحدقُ بإطار الصور الذي وضعتُ به الورقة التي إلتقطها من بين أوراق ندى حينْ إلتقيتها للمرة الأولى .. " الحقيقة المرة أفضل من الأوهام البالية ، ولو أسفرت عن قلبٍ محطم " ، الحقيقة أنّها رحلتْ والوهم هو إنتظاري لها لتعود .. وقلبي بات محطم ،،
مرت الأيام بطيئة ثقيلة الدم غريبة كريهة لا تطاق .. ،
وأخيراً وجد والداي الفتاة المناسبة كما قالاً .. وحددا موعداً لذهاب لخطبتها ،،
ذلك يذكرني بموعد العشاء الذي لا يمكننّي نسيان ندى بكامل أنوثتها وأناقتها .. وبالخاتم الذي ألبستها إياه لتعيده حين رحلت ،،
كنتُ متحمساً مشعاً بالطاقة .. على عكس هذا المرة أشعر بأنّي أجر جسدي بصعوبة ، لا أشعر برغبة بفعل أيّ شيء ..
حدثتُ سالم عن الأمر فكان مؤيداً لوالداي .. كان رأيه أنّ علي إكمال حياتي بشكلٍ طبيعي ونسيان الماضي ،،
قال أنّ علي أنّ أخطب فتاة جيدة لنتزوج معاً الصيف المقبل ..
فعلى عكس ما كان متوقع .. لم يتوقع أحدٌ أنّ سالم سيجد فتاة تغنيه عن جميع الفتيات ويرتبط بها ،،
إنّهما مناسبين جداً لبعضهما ..
أنّا سيعدٌ لأجله ..
العمل هذا اليوم كان متعباً جداً .. دخل والدي المكتب وقال أنّ علي الذهاب لشراء ملابس جميلة لأجل موعد هذا المساء مع أهل الفتاة ،،
تذرعتُ بالكثير من الحجج كيّ لا أذهب لكن كلام والدي فجأنّي ،،
- أبي :" قد يكونْ قلبكَ محطماً .. لكنْ عليك أنّ تبدي بعض البهجة اليوم يا عزيزي ، لا يتزوج الجميع عنْ حب .. لكنْ ذلك لا يعني أنّهم يعيشون حياة زوجية تعيسة ، تزوجتُ والدتك دونْ حبٍ وأنّا سعيدٌ جداً معها الآن "
- " أبي .. هل أحببتَ قبل أمي ؟ " .. بفضول
- أبي :" ومنْ لم يجرب الحب ولو مرة في حياته .. الحب الحقيقي يأتي مرة واحدة فقط ، وما بعده فهو مجرد تعايش مع الحياة لا أكثر "
- " عليّ أنّ أتعايش ! " .. تنهدت
هممتُ بالخروجِ لشراء بعض الملابس الجميلة ..
المطر يهطل بخفة .. أرجوك أيها المطر أغسلنّي من الداخل ، إجعلنّي كطفل ولد حديثاً دون ألآم أو ذاكرة ،،
هناك عادة إكتسبتها من ندى لمْ أعد أستطيع تركها .. عادة القراءة ،،
لا يمكننّي المرور بالقرب من مكتبة لشراء الكتب دون تصفح الكتب وشراء واحد لقراءته ،،
دخلتُ المكتبة أسأل عن جديد الكتب والروايات ..
بدأ البائع بسردها لي حتى لفت نظري عنوان " الإعتذار " ،،
سألتُ عنْ كاتب هذه الرواية فأجاب :" ندى الصباح يا سيدي ، هل تريد نسخة ؟ "
تجمدتُ في مكاني دون حراك .. مددتُ يدي ألتقط النسخة منّه ، أقرأ الأسم عليها " الإعتذار ، ندى الصباح " ..
عدتُ سنة للوراء .. عدتُ إلى حيثُ تركتنّي وحيداً حزيناً متألماً ،،
تمالكتُ نفسي وتنبهتُ للبائع ينادي عليّ : " سيدي .. سيدي " ،،
- " أرجوك أريد نسخة من رواية "الإعتذار " رجاءً " .. بصوت مهتز
- البائع :" حسناً تفضل "
دفعتُ له ما طلبه وخرجتُ أسير في الطريق محدقاً بإسمها على الغلاف ،،
إصطدمتُ بالمارة هنا وهناك ..
نسيتُ لما جئتُ إلى هنا .. نسيت أمر الملابس والموعد ،،
أغلقتُ هاتفي .. سرتُ إلى المقهى الذي لم أدخله منذ سنة كاملة ،،
طلبتُ الجلوس بالمكان القديم قريباً من النافذة ..
أنّا الآن أشعر بجميع مشاعري السابقة ، إنّها لا تعود إلّي رويدا بل مرة واحدة ..
طلبتُ فنجاناً من القهوة .. فتحتُ الغلاف الورقي الخفيف الذي شعرتُ بأنّه بثقل طفلُ فيل ،،
قرأتُ الإهداء : " لمنْ أحبهُ قلبي بكل صدقٍ إلى اليوم لا زلتُ أحبك .. آسفة " ..
هل تقصدنّي أنّا ؟ .. هي لم تحب غيري ، أظنّها تقصدنّي أنّا ،،
تصاعدت الدماء إلى وجهي فجأة شعرتُ بشعور غريب .. شعرتُ بالفضول للقراءة ،،
كنتُ أقرأ بشوقٍ وبلهفة كبيرين ، كنتُ أقرأ نفسي وأقرئها ..
لقد كتبت عنّا .. هي تقصدنّي أنّا بلا أدنى شك ،،
لم أعلم كم لبثتُ وأنّا جالسُ أقرأ .. لكنّي حين نظرت منْ النافذة كانت السماء حالكة السواد ، وإذا بصوت نادل يقول لي :"  لقد إنتصف الليل يا سيدي .. يجب أنّ نغلق " !
هنّا تبهتُ لأمر مهم ..
والداي ..
عدتُ للمنزل لأجد أمي في حالة غليان من القلق والخوف .. ووالدي في حالة غليان من الغضب ،،
كان الإعتذار من أهل الفتاة في قمة الإحراج .. وكان الإختفاء خلف سالم الذي بقي طوال الوقت يهدئهما  صعباً جداً ،،
بعد ساعة من الوقت هدأ الجو .. وإختفت الشحنات السالبة من الجو ،،
طلبتُ من سالم الحديث معهُ في غرفتي ..
وحينْ دخلنا الغرفة همستُ له بكل روحٍ إستقيظت من موتها : " لقد وجدتها .. ولا زالت تحبنّي يا سالم "
- " من التي وجدتها ؟ .. ندى ؟ " .. بإستغراب
- " أجل .. أنظر " .. أظهرتُ له الرواية بيدي وإسمها على الغلاف
- " لقد كتبتْ عملاً روائيا جديداً .. لا تقل أنّك كنتَ مختفياً تقرأه "
- " أجل .. في ذاك المقهى ، ولم أشعر بالوقتْ "
- " دار النشر .. أين هي ؟ " .. كمحقق يبحث عن طرف خيط
- " لما ؟ " .. بإستغراب
- " أيها الغبي لنعرف أينّ هي الآن " ..بغضب
- " لقد فهمتُ عليك "
- " سأتواصل مع دار النشر في محاولة لمعرفة بعض المعلومات " ..بحزم
لم أستطع رؤية سالم هكذا دون الشعور برغبة في ضمه ،،
- " أحبك يا صديقي " .. مبتسما
- " كفى .. إنّا مرتبط الآن" .. ضحك
ضحك وضحكتُ معه .. وشعرتُ بهمس والداي مستغربين لأنّي أضحك ،،
دخلا الغرفة في دهشة منّهما .. أنّ إبنهما لم يضحك منذ الشتاء الماضي ،،
- أمي :" بنّي هل أنتَ مريض " .. بدهشة
لقد إندفعتُ نحوها .. ضممتها وضممتُ والدي أيضا ، لا يمكنّهما إستعاب ما يحصل .. ولا يمكنْ لسالم وأنّا التوقف عن الضحك الهستيري ..
- أبي :" ما الأمر أيها الشابان ؟" ..بإستغراب
- " الحب الحقيقي يأتي مرة واحد فقط يا والدي .. وأنّا أريد إيجاده مرة أخرى يا أبي "
- أبي :" ما الذي تهذي به ؟ .. هل وجدت فتاتك ؟"
- " لا .. لكنّي سأجدها قريباً " .. بحزم
مر يومان .. قرأت فيهما الرواية مراراً وتكراراً دون كللٍ أو ملل ،،
شعرتُ بأنّها معي .. بقربي وأنّا أقرأها ،،
إذا كان الغريق يتمسك بقشة .. فماذا يفعل المحب ؟ ، هل يتمسك بأي شعاع أمل يسطع أمامه ! ،،
كنتُ في المكتب حينَ جاء سالم على عجلة منْ أمره .. لقد إقتحم المكتب وكأنه شرطي يقتهم مكاناً مشبوها ،،
- " ما الأمر ؟ .. لما هذا الإقتحام الدارمي؟ " ..بصدمة
- " لقد شاهدتُ هذا في فلم الأمس .. لا يهم هل تريد أنّ تسمع خبراً يعجبك؟" .. بحماس
- " هل علمتْ أينْ هي ؟" .. بلهفة
إقترب منّي سالم وقد كنتُ قد وقفتُ عن الكرسي بسبب صدمة إقتحامه المكان .. نظر في عينّي مباشرة شعرتُ بالخطر فجأة ثم قال :" لقد وافقت  خطيبتي على الأسماء التي إقترحتها عليها حين نتزوج ونرزق بأطفال "
هل يمازحني الآن ؟ ...
شعرتُ بالغضب فجأة فصرختُ بوجهه :"  أيها الغبي كل هذا الإقتحام الدرامي لأجل شيء كهذا ؟! "
ضحك بصوت عالٍ ومسموع :" كنتُ أمازحك فقط لا أكثر " !
ثم أكمل قائلا بنبرة جادة :" سيعقد حفل توقيع لرواية "الإعتذار" للكاتبة " ندى الصباح عما قريبْ "
- " أحقاً ما تقول ؟ .. أين ؟ "
وضع على طاولة المكتب قصاصة ورق وقال :" العنوان وباقي التفاصيل هنا "
هم بالخروج قائلاً :" ثم أنّ أمر أسماء أطفالي موضوع مهم ما ادراك انت"
نظرتُ له نظرة نمر يريد أنّ ينقض على فريسته :" أعبث بعيدا عنّي سالم"
- " هذا بدل منْ أنّ تقول لي شكراً" .. بإحباط
- " هل تريدنّي أنّ أضمكْ ؟" .. بإبتسامة خبيثة
- " لا .. لا .. وداعاً " .. وهرب خارجاً من المكتب
بقيتُ أتأمل قصاصة الورق طوال الوقت ..
أخيراً لقد وجدتها ..

سأذهب إليها ..

                               يتبع ،،
                            بقلمي\ سناء قبها