البحث

السبت، 8 أكتوبر، 2016

أحببتُ كاتبة - الجزء(13) .. " آسفة لكنْ الوداع " ..

,..(13).." آسفة لكنْ الوداع" ...
،
إجابتي لا زالت ملتصقة على طرف لساني لم انطق بها بعد ،،
ليستْ تلك الفتاة هي السبب بل .. لا أعلم لكنّي شعرتُ أنَّ لساني ثقيلٌ جداً حينها ،،
لمْ أنّم حتى أستيقظ .. لم أشعر بوالدتي حينَ غادرت المنزل هذا الصباح متوجهةً إلى عملها كالعادة ،،
رغمَ أنّها متعبةٌ جداً إلا أنّها لا زالت مصرة على العمل هذا اليوم .. لا ترضى بالراحة أبداً ...
تقول لي دائما حينَ أطلب منّها الراحة :" أحبُ إرهاق جسدي وعقلي بالعمل حتى أمنع نفسي من التفكير بإشياء تشعرني بالحزن .. هذا الإرهاق هو ما يرحمنّي من عذاب التفكير والتذكر ، يمنعني من الإشتياق لمن لا أعلم أين هو وكيف هي حاله " ..
لا تزال تحبُ والدي لهذا اليوم ، لكن هل لا يزال والدي يحبها .. أو يتذكرها حتى ؟! ،،
لا أظنّ لو كان كذالك لغلبه الشوق وجاء إليها راكضاً طلباً للمغفرة ،،
لا أريد التفكير بمن لا أعرفه أبدا .. كُل ما يشغل تفكيري الآن هو أمي التي لا أحد لدي سواها في هذه الدنيا ، لا أخشى الوحدة ما دامت هي معي  .. لا أريد أنّ أكون وحيدة بدونها أيضا ،،
أزحتُ غيمة التفكير السوداء المخيمة فوق رأسي بعيداً .. حاولتُ التفكير بإيجابية قليلاً .. لا شيء يبقى على حاله فالحياة مستمرة والأحوال دائمة التقلب بشكل كبير .. سأستمر بالحياة فقط وسأسير مع تيار القدر حيثُ يريد دون مقاومة ،،
سأبحثُ عن السلمّ لي ولأمي ..
سامي كان نسمة لطيفة قد جعلت حياتي القاحلة والجافة منعشة ، لكنْ ..
لكنْ وجودة بجانبي جعل جروح والدتي تتفح من جديد لتفكر بوالدي مرة أخرى .. سأبتعد بقدر ما أستطيع سأخذها معي ونذهب دونما عودة إلى حيثُ لا نعلم أحد ولا يعلمنا أحد ..
سنبقى وحدنا سعيدتين دون ذكريات ،،
أرتديتُ ملابسي على عجل .. لا أعلم ما أرتديتُ حتى ، لبستُ معطفي الصوفي وخرجتُ قاصدة مكان عمل أمي ..
الشتاء يقترب والجو يزداد برودة ،،
السماء ملبدة بالغيوم تنذر بمطرٍ قادم .. أحب المطر ، أريده أنّ يغسلني منّي حتى أعود أخرى قوية ،،
سرتُ أتأمل الأماكن بعينين كالكاميرا .. أخزن في ذاكرتي كل ما أراه ،،
فهنا إصطدمتُ بسامي وهناك تقابلنا وتحدثنا .. وسرتُ حتى وصلت ،،
وهنا رأيتُ سالم مع أمي ...
وها أنّا أراه في ذات المكان مرة أخرى ،،
- سالم :" ندى ؟ .. ما الذي تفعلينه هنا؟ " ..بدهشة
- " أين أمي ؟ " .. بقلق
- " إنها متعبة وتستريحُ في الداخل " .. بقلق
- " خذنّي إليها"
وفي طريقنا تحدث إلي سالم عن عشاء الأمس ،،
- " لم تخبريني كيف كان العشاء ؟" .. بفضول
- " شهينا" .. مبتسمة
- " لا أقصد ألم يحدث أمراً جميلاً أسعدكِ؟ "
- " جاءت فتاة سوقية رفقة زوجها الثري وقاطعا العشاء وإنصرفت "
- " أوه يا إللهي .. لا تفهمي سامي بشكل خطأ ، ذلك مجرد ماضي بغيض" .. بإنفعال
توقفنا عن السير قلبلا متقابلين في وقفتنا ،،
- " أعطه فرصة أخرى يا ندى .. أعلم أنّك تحبينه وأعلم أنه يحبك كثيراً .. و "
- " ولتعلم أنّي أحب أمي أكثر " .. بعيون حزينة دامعة
- " أعلم لكن ما شأن أمك بالأمر؟" .. بإستغراب
- " أنسى الأمر ولتأخذني إليها الآن "
- " حسناً إتبعيني "
سرنا معا حتى وصلنا إلى غرفة فيها أسرة يستريح فيها الموظفون من العمل عند الحاجة للراحة ،،
كان سالم يتبعني بعينيه وأسئلته الكثير التي تحوم دون أنّ ينطقها ،،
ها هي أمي مستلقيه على إحدى الأسرى نائمة .. أو تدعي ذلك ،،
- " سالم دعنا وحدنا رجاءً "
- " حسنا لكنّ ذلك " .. وإنصرف
سرتُ نحوها بهدوء .. إحتضنتها وهي نائمة ، لقد كانت تبكي ،،
- " لما تبكين الآن .. وهكذا ؟" .. بحزن
- "ندى ..؟" .. بدهشة
إعتدلت جالسة في السرير تمسح دموعها التي قد أزاحت بعض مستحضرات التجميل من عن وجهها كاشفة عن لونٍ أصفر شاحب تحاول إخفاءه ..
- " هل تريدين البقاء هكذا حتى الموت ؟" .. بغضب حنون
- " ذاكرتي تأكلني حية .. ماذا يجب أنّ أفعل ؟" ... تبكي
- " لما يا أمي ؟ .. لما ؟ "
- " سامي السبب ... "
- " سامي ؟ ... ما الذي فعله ؟" .. بإستغراب
- " لم يفعل شيئاً سوى أنّهُ يشبه صديق والدك المقرب إلى حدٍ كبير جداً"
سامي يشبه صديق والدي المقرب إلى حدٍ كبير ! .. هل يعقل أنّ يكون والده حقاً صديق والدي ؟ ،،
لا أريد التحقق من هذا الأمر أريد التخلي عنْ كل شي .. عنْ حبيه له والهروب بعيداً مع أمي ،،
أريد لهذه المسكينة أنّ تشعر بطعم الحياة الحلوة مرة واحد فقط .. لقد جُرحت كثيراً ، وكان أكبر جراحها وقفها ضد الجميع لأجل من تحب ليتركها منْ تحب في ظروفٍ غامضة ،،
- " لنهرب .. لنهرب أمي " .. بنبره قوية
- " إلى أين ؟ " .. بإستغراب
- " إلى حيثُ لا يوجد منْ يذكرك بالماضي "
- " لكنكِ تحبينه .. كيف نهرب بعيدا؟ " .. تنزل رأسها بإحباط
- " أمي " .. أضع يدي على كتفيها .." أنتي أخر منْ بقي لي في هذا العالم ، كل ما أريده هو أنّ تكون هذه الأم القاسية والإنسانة التعيسة سعيدة لمرة واحدة فقط" .. تنهمر الدموع من تلقاء نفسها
ضمتني أمي بقوة ،،
- " لنهرب إذا .. سأقدم إستقالتي ولنهرب بعيدا " .. تبتسم
- " أجل " .. تبتسم
خططنا للرحيل بصمتٍ دونَ أنْ يشعر أحد .. وبدأنا بالترتيب للأمر ،،
فأنّا عدتُ لأكتب رسالة وضعتها في صندوق رفقة الهاتف الجوال والخاتم الذي وضعهُ سامي في يدي تلك الليلة ،،
وضعتُ الصندوق على مكتب غرفتي وبدأت بتوضيب أمتعتي .. ولم أرى سامي أو أي أحد يمت له بصله طيلة إسبوع كامل ،،
أمي قالت أنّها قد أخذت إجازة لسالم في الوقت الذي طلبت فيه التكتم عن أمر إستقالتها بشكل مؤقت لتوضب أمتعتها هي الأخرى ،،
حجزنا تذاكر السفر ولم نهتم بالمكان .. سنذهب بعيدا فقط لنشعر ببعض الراحة لا أكثر ،،
الذكريات .. مهما هربتْ منها ستلاحقك في كل مكان ، لا يهم سأهرب على أي حال ،،
تحدثنا إلى صاحب المنزل عن الإخلاء ليعرض المنزل للإجار بعدنا لمن يرغب ،،
كان الصندوق لا يزال بين يدي ونحن نستقل السيارة المنتجة للمطار .. نزلتُ عند المقهى ، دخلته بخطى مترددة وما هي الا ثواني حتى إستجمعتُ قوتي وسرتُ بكل ما أوتيت من جرأة وقوة ،،
تحدثتُ للنادل الفضولي جداً لأطلب منّه المعروف الثاني .. أعطيته الصندوق ليوصله إلى سامي الذي لم أشئ رؤيته طوال الأسبوع الماضي ، حاول كثيراً ومحاولاته لرؤيتي باتت بالفشل ...
إنّطلقنا نحو المطار .. لقد وصلنا أخيراً ، سنستقل الطائرة لنكون بعد ساعات في بلد كبير ونحن غرباء عن الجميع عن أنفسنا ،،
التحليق بالجو فوق السحاب يعطي شعورا جميلا بالحرية .. أريد التحرر من ماضي أمي ، من حب سامي ... من نفسي ومن كل شيء ،،
أريد النسيان .. الوادع جميعاً ،،
--------------
لقد إنتهى الأسبوع وتجاوزت السيدة نرجس الحد في عطلتها تلك .. لم أستطع الصبر ذهبتُ لسؤال المدير عن الأمر ليصدمني بخبر إستقالتها وتكتمه عن الأمر حتى رحيلها ..
لقد رحلت ؟!! ..
لا أصدق ذلك .. كيف يمكنها الذهاب هكذا دون وداع حتى ؟!! ،،
هذا الشاب يشعر بالحزن الشديد الآن ..
سامي .. ماذا عنْ سامي هل علم برحيل ندى ؟!! ...
تركتُ المكان مسرعاً حيثُ مكان عمل سامي ووالده .. لم أكن لبقاً في إلقاء التحية لعجلتي ، فتحت باب مكتبه بسرعة لأرى تعابير وجهه المرتعبه تلك ..
- " ما الأمر يا سالم ؟" .. بإستغراب وقلق
- " إذا الأم رحلت لمكان بعيد .. هل ترحل طفلتها معها أمّ ماذا" .. يلهث
- " أي أم التي رحلتْ " .. بإرتباك وتوجس
- " السيدة نرجس وندى .. لقد رحلتا" .. بحزن
ملامح الصدمة إعتلت وجه سامي بشكل واضح وبقي على حالة وقتٍ من الزمن حتى إستوعب الموضوع وذهب راكضاً نحو منزلها ، وركضتُ خلفه بكل قوتي ...
وهناك كان الصاعقة الكبرة .. " منزلٌ للإجار" ، لقد رحلتا فعلاً ،،
لا أعلم أي حالٍ كانْ عليها صديقي .. لا يعلم أحدٌ إلى أينَ ذهبتا ولا وسيلة للتواصل معها ،،
لقد كانتا كزبد البحر ...
نظر إليّ سامي بعيونه المحمرة الدامعة و دمائه المحتقنة في وجهه وقال بصوت غليط غاضب ..
- " لما .. لقد كنتُ أريد لي ، كنتُ سأسعدها "
ربتُ على كتفه .. ضممته ،،
بدا لي وكأنّه تذكر أمراً مهما ...
- " المقهى .. سالم المقهى ، ربما تركت لي شيئا مع النادل كالمرة السابقة" .. بتعجل
- " لنسرع الخطى إلى هناك إذنّ "
لقد كان ما توقعه فعلا .. لقد تركت له ذاك الصندوق المعبق برائحة عطرها .. " الخاتم ، الهاتف الجوال ، ورسالة ..." ،،
جلسنا في المكان الذي إعتادت ندى الجلوس فيه .. فضَّ سامي غلاف الرسالة على عجل ، ثم توقف لأخذ نفسٍ عميق قبل قرأتها ..
تردد في البداية .. ثم إستجمع قواه وقرأ ،،
" إجابتي هي (أرفض) .. لا أريد الزواج منّك ، آسفة .. وداعاً ،
لا علاقة لتلك الفتاة السوقية بلأمر .. لا تلمها كانت هذه إجابتي حتى لو لم تأتي لمقاطعتنا ، إجابة ثقل لساني عن نطقها "
ألقى سامي برأسه على الطاولة وراح يدندن بكلمات اغنية غريبة ويضحك بشكل هستيري تنبه له الجميع .. إعتذرت بشدة لهذا الموقف وأخذته لمنزله ، كان والداه في غاية القلق .. كان المساء يقترب ..
تركته في غرفته يتحدث لنفسه ويضحك دونما سبب ..
وخرجتُ أسير في الطريق على غير هدى ..
لا أعلم لما ذهبت وإلى أين .. ولا أعلم ما الذي سيحل بصديقي الآن ،،
هل سيجنّ ..
أيعقل ؟! ..
كمْ من قيسٍ في هذا العالم قد جنَّ بعد رحيل ليلى الخاصة به ،،
هل ليلى الآن سعيدة هائنة البال برحيلها عن قيس الذي أحبها حتى جنّ ،،
لا بد منْ يومٍ تهب فيه نسمة من بلد هي فيه إلى هنّا تحمل لنا أخبار ليلى خاصتنا ..
الأيام ستمر بالتأكيد ..
الثقل في قلبي يرهقني أريد الصراخ لا أكثر ...

                                      يتبع ،،

                                  بقلمي\ سناء قبها